محمد جواد مغنية

26

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

وإذا كان عدم صدق النفي دليلا على الحقيقة كان صدقه دليلا على المجاز . وتجدر الإشارة إلى أن عدم صحة السلب عند العارفين بالوضع هو طريق العلم به لمن يجهل الوضع تماما كما هو الشأن في التبادر . والخلاصة إذا كان المخاطب على علم اليقين من مراد المتكلم بنى عليه ، وعمل بمقتضاه ، سواء استعمل المتكلم كلامه في معناه الحقيقي أم المجازي ، وان لم يعلم المراد ، وكان من أهل اللغة اعتمد على ما يفهمه من ظاهر الكلام وسياقه وألغى جميع الاحتمالات المضادة ، ولا علاقة لذلك بالوضع وعلاماته . ويأتي التفصيل . وان لم يفهم المخاطب شيئا من اللفظ - وهنا محل الكلام - لم يفهم لأنه غريب عن اللغة ، أو كان من أبنائها ولكنه غير متمكن منها ، ولا يملك ناصيتها ، ان كان كذلك فسّر المعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ ، فسره بالنقل الموثوق به ، أو بتبادر الآخرين من أهل اللغة ، أو بعدم صحة السلب عندهم . الظاهر ومراد المتكلم في الفقرة السابقة أشرنا إلى أنه لا أساس إطلاقا لأصل الحقيقة في الاستعمال ، أما العمل بظاهر الكلام كأصل ومقياس لمعرفة مراد المتكلم والعلم بإرادته من الكلام فإنه حق لا ريب فيه لتباني العقلاء قديما وحديثا على إلغاء الاحتمال المضاد لدلالة الظاهر من اللفظ . وليس من شك ان الشارع على هذه السبيل في كلامه وخطاباته . قال سبحانه : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ - 4 إبراهيم » . أي يخاطبهم بنفس الأسلوب الذي يجرون عليه ، ويترجم رسالة اللّه إلى لغة الناس وإلا انتفت الغاية من الرسالة ، ولم تكن الدعوة حكيمة ، والموعظة حسنة . وللظهور في اللغة العديد من المعاني ، ومنها البيان ، يقال : أظهر الشيء أي بيّنه سواء أكان البيان قويا لا يقترن باحتمال مضاد ، أم ضعيفا يقترن به . وأيضا للنص أكثر من معنى في اللغة ، ومن ذلك الظهور والبيان يقال : هذا الحكم فيه نص أو منصوص عليه في الشريعة ، أي ان الشارع أظهره وبيّنه للناس ، سواء اقترن باحتمال النقيض أم لم يقترن . ومعنى هذا أن النص والظهور في اللغة قد يعبران عن معنى واحد .